قرأت يوما ل”أنيس منصور”، تحت عنوان “ثم راحت سنابل القمح تقطر دما!”، قصة “هنيبال”، الذي أقسم لأبيه في صغره، أن “يطارد الرومان في كل مكان. في البر والبحر!”، وأوفى بما عاهد بعد أن صار قائدا كبيرا، فقتل منهم نصف مليون، و”أحرق حدائقهم وحقولهم.. وروى بالدم أرضهم.. حتى صارت سنابل القمح تقطر دما في أيدي الفلاحين.. ولم يفرق الناس بين النبيذ في الزجاجات والدم في البرتقال..”، ما يستفاد من القصة، هو الحقد الكبير الذي حمله هانيبال، القائد القرطاجي، ضد الرومان، حيث سجل عنه أنه قال: ” الشعب الذي لا يعرف الكراهية العظمى، شعب لا يحق له أن يعيش!”، رغم كل هذا، إلا أن الرجل السفاح، كما يحلوا للبعض تسميته، لم يسجل عنه، على حد علمي، أنه كان يكن كراهية ضد شعبه. هانيبال وتعامله مع الرومان، يشبه كثيرا، السلطة المخزنية المغربية، في تعاملها مع أهل الريف، خلال عقود، وفي وقتنا الراهن، ولن يكتفي ربما، إلا بعد أن تقطر جبال الريف دما!
احتجاجات متتالية منذ أن أفاض استشهاد “محسن فكري” الكأس، والمطالب المرفوعة، اجتماعية واقتصادية وثقافية، تقابلها تدخلات عنيفة من القوات العمومية، وسيل من الاتهامات، تملأ صفحات الجرائد الصفراء، المسخرة من طرف المخزن. لم يتركوا تهمة إلا وألصقوها بالريفيين، عملاء جزائريون، انفصاليون، عملاء لإيران، خونة، مثيرون للفتنة.. إلى غير ذلك من التهم الجاهزة، والتي نالها كل من طالب بحقه، وأبى أن يركن للظالم، وسبق أن نالها الأحرار في كل العالم.
الحقد الذي حمله “هانيبال” ضد الرومان، تحمله السلطات المغربية ضد المستضعفين، وخاصة بالريف، فحين يتم وصف المحتجين ب”الأوباش”، وب”أبناء الإسبان”، نكون قد دخلنا في نفق يتجاوز مهمة السلطة، والقوات العمومية، ويصل إلى الطعن في شرف المواطنين، خصوصا وأن الأمر يتكرر من جل عناصر القوات العمومية، ما يدعوا للريبة، بل يستوجب الشك في أن من يعطيهم الأوامر، يشحنهم قبل إرسالهم إلى قلب الريف، أو يكتفي بتذكيرهم بما قاله الملك الراحل عن المنطقة، “بسند صحيح”!
اعتقلت السلطات عقب المواجهات بين القوات العمومية والمحتجين، التي شهدتها مدينة إمزورن مؤخرا، 10 أشخاص، من بينهم، “سعيد بلفقيه”، ذو الاحتياجات الخاصة، وعرضتهم لأبخس أنواع التعذيب، النفسي والجسدي، حسب قول المحامي “عبد الصادق البوشتاوي”، الذي زارهم في السجن، حيث وصل الأمر إلى التهديد، “باغتصابهم واغتصاب أخواتهم ونسائهم”، وأكد في الحوار الذي أنجزته معه القناة الفيسبوكية “أوار تي في” أن الأمر، “قد يكون ممنهجا ومقصودا، لأن جميع المعتقلين تعرضوا لنفس الممارسات، مما لا يدع مجال للشك، كونها لا تدخل إطلاقا في خانة الحالات الفردية”.
وقال المتحدث ذاته، حول حالة المعتقل “سعيد بلفقيه”، “لقد تعرض هو الآخر للتعذيب”، وأكد أن الشخص “يحتاج إلى إحالته على الخبرة الطبية” للتأكد من حالته العقلية، خصوصا وأن إبن مدينة إمزورن، من ذوي الاحتياجات الخاصة ويتحدث بصعوبة بالغة، شأنه في ذلك، شأن أمه وأخته، اللتان تعيشان ظروفا صعبة جدا.
بثت الناشطة “نوال بنعيسى” على صحفتها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، فيديو نقلت فيه معاناة أم وأخت “سعيد”، حيث يعيشون في ما يشبه “الكهف”، ليس له باب، ولا يتوفر على أدنى شروط العيش، لا ماء ولا كهرباء، ولا أي شيء، وما يزال البعض يصف من يخرج للاحتجاج بأنه خائن وانفصالي وعميل!
إن مشاهدة حالة السيدة وابنتها المعاقتين، دون تحريك ساكن، هي أكبر خيانة وعمالة، بل إن رؤية السلطات تعتقل شخصا من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعذبه نفسيا وجسديا، والاكتفاء بالمشاهدة، هي “الانفصالية” بأم عينها، وهي الأعظم من نوعها، إنها “الانفصال عن هموم المفقرين”.
في مقطع فيديو آخر بثته الناشطة ذاتها، في صفحتها، تحدثت أم المعتقل، ذات الاحتياجات الخاصة، بطريقة جد مؤثرة، قائلة باللهجة الريفية ما معناه، “سعيد إبني ذهب ليشتري الخبز من البقال، فاعتقلوه”. تعجز الكلمات عن التعبير.
سكان الريف، عانوا منذ سنوات من القمع والاضطهاد من طرف السلطات المخزنية، ما يجعل من شبه المستحيل أن ينسى أهل المنطقة ما تعرضوا له، واستمرار تهميشهم وإقصائهم، يكرس التوتر الذي يحيط العلاقة بين سكان الريف والسلطات، وكما قال من ذكرنا قصته في بداية أسطرنا: “الشعب الذي ينسى من أهانه، شعب لا يستحق لقمة العيش”.
المعاناة المتزايدة، واللامبالاة المتوالية، جعلت السكان، أشبه بقنبلة موقوتة، تزيد السلطات إشعالها يوما بعد يوم، بتهميشهم وإقصائهم، وبإظهار الحقد تجاه أهل الريف، وتعريضهم للسب والشتم اليومي، ونعتهم بنعوت لا يحس بوقعها على النفوس إلا من يعيش في المنطقة ويعلم جيدا معناها ومقصدها.

