إذن، وكما كان متوقعا، وافقت أغلب دول القارة السمراء، على عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، بعد 32 سنة من الفراق، وذلك خلال قمة الاتحاد، المنعقدة بالعاصمة الإثيوبية “إيديس أبابا”، في انتظار استكمال المسطرة القانونية للعودة الفعلية للمغرب، هذا الأمر الذي يراه عدد من المراقبين، خطوة جيدة نحو التغلل في القارة، لتحصين وحماية الوحدة الترابية، في حين يعتقد أخرون أن العودة تمثل اعترافا رسميا، بالدولة الوهمية التي أسستها جبهة “البوليساريو”.
بين “مملكتين دستوريتين”
قدمت الحكومة البرطانية يوم 27 مايو/أيار من سنة 2015، رسميا إلى البرلمان، المشروع المتعلق بآليات الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي، وبعد المصادقة عليه من طرف البرلمان يوم 10 يونيو/حزيران 2015، تم تحديد يوم 23 يونيو/حزيران 2016، موعدا لإقامة استفتاء يحدد فيه الشعب، مسألة بقاء المملكة المتحدة، في الاتحاد الأوروبي من عدمها.
وأجري الاستفتاء في موعده، ليختار البرطانيون الخروج من الفيديرالية الأوروبية، الشيء الذي جعل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك “ديفيد كامرون”، يقدم استقالته، لعدم قدرته على قيادة البلد في المرحلة، لتخلفه “تيريزا ماي”.
بالرغم من الأهمية البالغة التي يكتسيها، دخول “المملكة” المغربية أو خروجها، من وإلى أي منظمة، فإن قرار العودة، لم يمر بالمراحل التي مر بها تحديد مصير المملكة المتحدة في المنظمة الأوروبية، بل جاء بقرار أعلنه الملك محمد السادس يوم الأحد 17 يوليوز 2016، وذلك في رسالة إلى القمة 27 للاتحاد الإفريقي والتي انعقدت في العاصمة الرواندية كيغالي.
بين الملكية دستورية والدستور الملكي
أتساءل عن السبب الذي منع الملكة “إليزابيث”، من الخروج إلى الشعب البرطاني، لتخبرهم بالقرار الذي اتخذته، بشأن خروج المملكة المتحدة من المنظمة الأوروبية!، الإجابة وبكل بساطة، أن نظام الحكم في بريطانية، ملكية دستورية، “تماما” مثل المغرب، إن اعتمدنا الدستور، الذي يقر بأن النظام الحكم في المغرب، هو “ملكية دستورية، برلمانية، ديمقراطية، واجتماعية”.
رئيس الوزراء البرطاني آنذاك، السيد “ديفيد كاميرون” لم يخرج هو الآخر، إلى البرطانيين ليعلمهم، بأن بلده قرر الخروج من الاتحاد الأوروبي، بالرغم من أنه المدير الفعلي لشؤون البلاد، والذي يستمد شرعيته من الانتخابات، وحتى البرلمان لم يقرر ذلك، وعلى الرغم من امتلاكه السلطة التشريعية، فقد صادق سنة 2015، على قرار إجراء “الاستفتاء”، بأغلبية ساحقة (544 مؤيد، 53 معارض)، لكي لا يتحمل مسؤولية قرار مهم جدا كهذا، وترك مسألة حسمه للشعب البريطاني.
قرار العودة هزيمة ديمقراطية
صادق البرلمان المغربي، كما سبق وذكرت، بالإجماع على قرار العودة للأسرة الإفريقية، المحسوم مسبقا، نظرا لأنه جاء من الملك نفسه، الذي لا يمكن مناقشة كلامه، بنص الدستور، لكن لكي يتم إلباس الخطوة لباسا ديمقراطيا، تقرر عرضه على البرلمان، الذي تمت هيكلته قبل تشكيل الحكومة، في خطوة تظهر حجم العبث الذي يعيشه المشهد السياسي الرسمي في المغرب، هذا دون الخوض في نقاش اللقاء الأول لمجلس النواب ومجرياته.
يمتلك رئيس الوزراء البريطاني صلاحيات السلطة التنفيذية التي يمنحها له الشعب، عبر صناديق الاقتراع، ويعتبر المسؤول عن الازدهار أو الانهيار الاقتصادي أو السياسي أو غيره، لكونه مدبر ومسير البلد، بينما في المغرب، وبالرغم من كون نظامه ملكية دستورية، مثل بريطانيا، على الورق! فإن رئيس الحكومة ليس بمقدوره معرفة حتى ما يجري، بل وتتخذ قرارات، يصل صداها إلى الشعب بأكمله، قبل أن يعلم خبرها الرئيس.
العودة هزيمة سياسية
عودة المغرب للاتحاد الإفريقي يعني بالضرورة، اعترافها بالدولة الوهمية “بوليساريو”، وهذا ما يفسر ويفسره، ترحيب هذه الأخيرة بعودة المغرب للاتحاد، معتبرة إياه خطوة مهمة في طريق حل نزاع الصحراء.
وفي الموضوع ذاته، قال الملك محمد السادس في خطابه بالعاصمة الإثيوبية، “إن هدفنا ليس إثارة نقاش عقيم، ولا نرغب إطلاقا في التفرقة، كما يدعي البعض!”، وأضاف “وستلمسون ذلك بأنفسكم: فبمجرد استعادة المملكة المغربية لمكانها فعليا داخل الاتحاد، والشروع في المساهمة في تحقيق أجندته، فإن جهودها ستنكب على لم الشمل، والدفع به إلى الأمام”.
ما سبق، يعني أن الجهات الرسمية في المغرب قد اقتنعت بأن نقاش الصحراء، صار عقيما في الساحة الإفريقية، ما دفعها للتغاضي عنه، وبسط اليد لتحقيق مصالح أخرى، لكن ماهي؟ أهي مصالح سياسية يمكن للمغرب أن يستفيد منها، من تجارب ديمقراطية مثلا؟ أم هي تجارب اقتصادية ناجحة سيتسنى للمسؤولين نلقها للمغرب ليستفيد الشباب منها؟ أم أن المصالح باتت متمثلة في التمدد داخل القارة، وخلق مشاريع مهمة للاستفادة منها!
خلاصة
يمكن إجمال ما سبق، في كون المغرب حقق انتصارا ديبلوماسيا حسب البعض، لكن على حساب هزيمة سياسية وديمقراطية، الهزيمة السياسية تجسدت، في الاعتراف بحدود البوليساريو، صحيح لم يصرح بذلك، لكن “الخريطة الإفريقية” في العاصمة الإثيوبية توضح ما أتحدث عنه، كما أن الهزيمة الديقراطية، تتجلى في كيفية اتخاذ القرار ، وكيفية المصادقة عليه في البرلمان الذي شكل قبل الحكومة، وللغرض المذكور بالضبط، كما يزيد في كشف الهزيمة، العودة لآليات اتخاذ قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما ذكرناه في مقالنا.
