الحݣرة كلمة من الدارجة المغربية، أصلها عربي من الحَقْر. لسان العرب يقول الحقر ُفي كل المعاني: الذِّلَّة وكذلك الاحْتِقارُ. هذه الكلمة تُرفع و تُهتف كلَّما أحسَّ مواطن بظلم أصابه من سلطة مجسَّدة في رجل أو مؤسسة. فمن أين أتت هذه الحݣرة التي تكرس شرخا و عداء بين المواطن من جهة و السلطة بجميع أدواتها الأمنية والإدارية الممثلة لها من جهة أخرى والتي تسبب ايضا انعدام ثقة بينهما وتخلق تشاحن و اصطدامات لا تفيد لا الوطن و لا المواطنين؟
إن البحث عن منبع الحكرة كممارسة في المجتمع المغربي يتطلب دراسات عدة و متنوعة في حقول العلوم الاجتماعية، السياسية ، علم النفس و حتى التاريخ. وبما أنه انعدمت دراسات تستكشف هذه الظاهرة المتفشية و المتكررة طلقت عنان أصابعي لفرضية عسى أن تكون لغيري فضولا يدفعه للبحث هو أيضا عن سبب الداء علنا نجد للدواء سبيلا.
الحݣرة موروث تاريخي-هيكلي
لقد عرف المجتمع المغربي في النصف الأول من القرن العشرين تحولا جذريا و سريعا في عدة مجالات. و لعل أبرزه هو الانتقال من الدولة العتيقة المتمثلة في أقطاب مستقلة و متنافرة و ذات اقتصادات معيشية إلى الدولة الحديثة : الوطن أو الدولة المركزية ذات قطاعين اقتصاديين متناقضين؛ تقليدي معاشي غير مهيكل وآخر حديث و مندمج في التجارة الدولية. هذه الإزدواجية أوجدت أسباب الإنقسام في مجتمع واحد :تقليدي/عصري. حداثي/قديم. مدني/بدوي. عربي/فرنسي. منفتح/منغلق. تقدمي/رجعي. معاصر/أصولي. النافع/الغير النافع والحاقد والمحقود عليه. لقد لعب الإحتلال الدور الأهم في هذه الحداثة المزدوجة و الاَّمنسجمة و ساغ حكما مركزيا و أسس قوائم اقتصاد رأسمالي و رسَخ كذلك سلطة مخزنية لفرض وجوده، لضبط مناطق نفوده و لإخضاع مناطق أخرى مستعصية.
لم يكن احتلال المغرب استيطان مستعمرين بل كان نوعا جديدا: استعمار مِؤسساتي طويل الأمد. فلقد تعلم الإستعمار من تجاربه الاستعمارية المباشرة أن كل احتلال لا يدوم و لو طال أمده. فلهذا نهج أسلوبا جديدا لازلنا نعيش صداه. بالفعل عوض ان يذبح الدجاجة الذهبية فضل تربيتها والاعتناء بها كي تبيض بانتظام و لأطول مذة ممكنة.
أنشأ الإحتلال البنية التحتية فشيد القناطر و عبَّد الطرق وأوصل مناطقا ببعضها البعض وأدخل المكننة والاليات. طوَّر الفلاحة التصديرية، استخرج المعادن و بنى الموانئ وجعل لكل سلعة مخرجا لأسواق المركز. إن ما قام به من بنية تحتية، ولو استفاد منه المغاربة، كان هدفه الأول هو الاستغلال الاقتصادي الامبريالي للمواد الأولية و المتمثلة في خيرات الأرض السطحية، الباطنية و البحرية. فالمعلوم ان المغرب بقي دولة قطاع الخيرات الطبيعية ذات القيمة المضافة المنخفضة ورهينة الطبيعة. فالبنية التحتية لم تكن موجهة لاقتصاد التصنيع بل بنية تصب كلها نحو المدن الشاطئية و نخص بالذكر الموانئ لتصدير المواد الأولية.
بموازات مع ذلك ولكي يدير العباد و تلك الخيرات أوجد لكل قطاع وزارة، مكتب، شركة أو إدارة حسب الأهداف المرجوة. أدخل البنوك الفرنسية التي تحوَّلت فروعا و شركات. ولبسط الثقافة و فرض فكره أقحم لغته و خلق مدارس بها يبلغون طلبتها، شرط إعادة انتاج النهج المرسوم، مناصبا. أما لسلامته فجهز أمنا يراعي مصالحه ويحفظه من معارضيه المواطنين و غيرهم.
كان على رؤوس الإدارات الحديثة العهد فرنسيين و ممثليهم من المغاربة. صنع ظاهره فرنسي لكن باطنه له طريقة استعمال مختلفة. فالإدارة في فرنسا خلقها الفرنسيين لأنفسهم من منبع تاريخهم، أعرافهم، قوانينهم و ثقافتهم ولأجل قضاء مصالحهم. أما في المغرب، الادارة إبَّان عهد الإستعمار لم تخلق لصالح المواطن ولا لحسن تسيير ثرواته و لكن لإدارة مصالحها السلطوية الإستغلالية. فكيف تقضي مصالح من يكافحها و يعتبرها محتلا مغتصبا؟
اكثر من ذلك أنشأت خدمات و حاجيات لا تفيد المواطن شيئا سوى مشاكل ومتاهات. مساطر و وثائق تجعل المواطن يسافر من مكتب الى آخر ومن موظف الى أخيه يتيه في سراديب المؤسسات ويدرك صغر حجمه أمام قوة الحاكم و بعدها ينصاغ أمام ممثله. فبيد هذا الاخير رفض او قبول قضاء المصلحة.
إنها الحݣرة وتسليط السلطة على المواطن. هنا كان ضروريا لهذا الأخير الاستعانة بوسيط يعرف كيفية الاستعمال فهو من يتدخل بين المواطن والمسؤول و غالبا بمقابل اسمه الرشوة أو الزَّبونية.
إن بعض الإدارات المغربية اليوم و خصوصا الموروثة منها لا زالت تعاني من مثل هذا الخلل. أما التسيير الإداري لعدة قطاعات فلا زال هو أيضا يحمل في طياته بقايا استبداد الماضي الذي أسس الادارة لتثبيت وجوده واستغلال الثروة. أما و نحن اليوم في دولة مستقلة و ثابتة و جب تغيير دور الإدارة وهدفها لجعلهما في خدمة المواطن و مصالح الوطن وليس فقط لتكريس السلطة و ترسيخ هبة الدولة، التي اقتنع بها المواطن منذ مدة من الزمن، وإهدار الميزانيات ونهب الثروات.
